السيد كمال الحيدري

387

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

ثَمّ تأييد آخر لهذا النمط من الفهم الذي يمكن استمداده من معنى الآية . فالآية هي العلامة الظاهرة ، وحقيقته لكلّ شئ ظاهر هو ملازم لشئ لا يظهر ظهوره . فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما ، عُلم أنّه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته . فمتى ما أدرك الإنسان الصورة علِمَ أنّه أدرك ذا الصورة « 1 » . لا يستخدم القرآن الكريم في وصف هذه المخلوقات مصطلح المعلولات بل يعبّر عنها بأنّها آيات وتجلّيات وظهورات لأسمائه الحسنى وصفاته العليا . فأيّما مخلوق من مخلوقات عالم الإمكان ووجوداته هو تجلٍّ لاسم من أسمائه الحسنى سبحانه وهو يعكس آية من آياته . وقد مرّ أنّ أىّ مظهر من مظاهر أسمائه الحسنى سبحانه يبرز في آية من آياته وفى خلق من مخلوقاته وليظهر منه ذلك الفعل الذي يترتّب على الاسم الذي برز في هذا المظهر . بلغة المثال : إنّ من أسماء الله سبحانه المُحيى والمُميت ، فإذا ما جئنا إلى ملك الموت فإنّه مظهر لاسم الله « المميت » ، حيث يظهر منه الفعل نفسه الذي يظهر من ذلك الاسم وذات الأثر الذي يترتّب عليه ، لكن لا بالمعنى الذي يفيد أنّ لملك الموت قدرة على الإماتة هي في عرض إماتة الله أو في طولها . كلّا ، فإنّ ملك الموت يفتقد لهذه القدرة على النحوين الطولى والعرضي ، وما يبرز منه من فعل الإماتة إنّما هو مظهر إماتة الله سبحانه . وهذه حقيقة من أهمّ حقائق عالم الإمكان . لقد سلفت الإشارة إلى أنّ الله ( جلّ جلاله ) ينجز الأفعال بنحوين ، إمّا مباشرة وبلا توسّط شئ ، أي من خلال قوله فقط : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » ، وأخرى ينجزها بتوسيط بعض مخلوقاته . فالله سبحانه هو المشافى لكن من خلال الطبيب ، وهو الرافع للجوع وللعطش‌لكن من خلال الطعام والماء . يحكى القرآن الكريم قول شيخ الموحِّدين

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، مادّة : أي ، ص 33 . ( 2 ) يس : 82 .